- ـــ قوله تعالى: لقد خلقنا الانسان في كبد
قال الامام القرطبي رحمه الله : " في كبد " أي في شدة وعناء من مكابدة الدنيا.
وأصل الكبد الشدة. وقال الحسن: يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة.
وعنه أيضا: يكابد الشكر على السراء ويكابد الصبر على الضراء، لانه لا يخلو من أحدهما.
ـــ قال علماؤنا: أول ما يكابد قطع سرته، ثم إذا قمط قماطا، وشد رباطا، يكابد الضيق والتعب، ثم يكابد الارتضاع، ولو فاته لضاع، ثم يكابد نبت أسنانه، وتحرك لسانه، ثم يكابد الفطام، الذي هو أشد من اللطام، ثم يكابد الختان، والاوجاع والاحزان، ثم يكابد المعلم وصولته، والمؤدب وسياسته، والاستاذ وهيبته، ثم يكابد شغل التزويج والتعجيل فيه ، ثم يكابد شغل الاولاد، والخدم والاجناد، ثم يكابد شغل الدور، وبناء القصور، ثم الكبر والهرم، وضعف الركبة والقدم، في مصائب يكثر تعدادها، ونوائب يطول إيرادها، من صداع الرأس، ووجع الاضراس، ورمد العين، وغم الدين، ووجع السن، وألم الاذن.
ويكابد محنا في المال والنفس، مثل الضرب والحبس، ولا يمضي عليه يوم إلا يقاسي فيه شدة، ولا يكابد إلا مشقة، ثم الموت بعد ذلك كله، ثم مسألة الملك، وضغطة القبر وظلمته، ثم البعث والعرض على الله، إلى أن يستقر به القرار، إما في الجنة وإما في النار، قال الله تعالى: " لقد خلقنا الانسان في كبد "، فلو كان الامر إليه لما اختار هذه الشدائد.


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق